التضعيف والتصحيح عند سنة الجماعة
تهذيب سنن أبي داود كتاب الصلاة تفريع استفتاح الصلاة باب افتتاح الصلاة [ص: 192]
وَتَضْعِيفُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ – إِنْ صَحَّ عَنْهُ – فَهُوَ رِوَايَةٌ الْمَشْهُورُ عَنْهُ خِلَافُهَا. وَحَتَّى لَوْ ثَبَتَ عَلَى تَضْعِيفِهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ مَعَ تَوْثِيقِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ كُلُّ رَجُلٍ ضَعَّفَهُ رَجُلٌ سَقَطَ حَدِيثُهُ لَذَهَبَ عَامَّةُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ أَيْدِينَا، فَقَلَّ رَجُلٌ مِنَ الثِّقَاتِ إِلَّا وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ آخَرُ.
تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية عني به وحرره: أحمد بن ناصر الطيار دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع – السعودية ج 2 ص 528
«(الجرح والتعديل والتفصيل فيه)
1823 – مسألة: لا يقبل الجرح إلا مفسرًا مبين السبب، وبه قال الشافعي.
وعنه أنه يقبل كالتعديل، وذهب إليه جماعة.
وقال ابن الباقلاني: يقبل الجرح المطلق ولا يقبل التعديل المطلق، فصارت المذاهب في المسألتين أربعة.
وقال الجويني: هذا يختلف بالمعدل والجارح، فإن كان إمامًا في ذلك من أهل صناعته قبل منه إطلاقه وإلا فلا، وكذلك قال المقدسي في الجرح.
قال القاضي: ولا يقبل الجرح إلا مفسرًا، وليس قول أصحاب الحديث: “فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء” مما يوجب جرحه ورد خبره.» «قال شيخنا: هذا الباب يفرق فيه بين جرح الرجل وتزكيته، وبين جرح الحديث وتثبيته.
ويفرق فيه بين الأئمة الذين هم في الحديث بمنزلة القضاة في الشهود وبين من هو شاهد محض، فإن جرح المحدث يكون بزيادة علم، وأما جرح الحديث فتارة يكون لطلاع له على علة، وتارة لعدم علمه بالطريق الأخرى، أو بحال المحدث به. [المستدرك 2/ 86 – 87]»
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي السخاوي – شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي [ ص: 70 ]
( وَ ) قَدْ ( رَوَوْا ) أَيِ : الْأَئِمَّةُ النُّقَّادُ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، أَحَادِيثَ ( عَنْ ) جَمَاعَةِ ( أَهْلِ بِدْعٍ ) بِسُكُونِ الدَّالِ ( فِي الصَّحِيحِ ) عَلَى وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ ; لِأَنَّهُمْ ( مَا دَعَوْا ) إِلَى بِدَعِهِمْ ، وَلَا اسْتَمَالُوا النَّاسَ إِلَيْهَا ، مِنْهُمْ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ ، وَهُمَا مِمَّنِ اتُّهِمَ بِالْغُلُوِّ فِي التَّشَيُّعِ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَهَمَّا بِمُجَرَّدِ التَّشَيُّعِ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَسَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيُّ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَهُمْ مِمَّنْ رُمِيَ بِالْقَدَرِ ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ ، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ ، وَهُمْ مِمَّنْ رُمِيَ بِالْإِرْجَاءِ .
وَكَالْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ لِعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مِمَّنْ نُسِبَ إِلَى الْإِبَاضِيَّةِ مِنْ آرَاءِ الْخَوَارِجِ ، وَكَمُسْلِمٍ وَحْدَهُ لِأَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ ، وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ .
وَكَذَا أَخْرَجَا لِجَمَاعَةٍ فِي الْمُتَابَعَاتِ كَدَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، وَكَانَ مُتَّهَمًا بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ ، وَالْبُخَارِيُّ وَحْدَهُ فِيهَا لِجَمَاعَةٍ ، كَسَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَشِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ ، مَعَ أَنَّهُمَا كَانَا مِمَّنْ يَرَى الْقَدَرَ فِي آخَرِينَ عِنْدَهُمَا اجْتِمَاعًا ، وَانْفِرَادًا فِي الْأُصُولِ وَالْمُتَابَعَاتِ ، يَطُولُ سَرْدُهُمْ ، بَلْ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَخْرَمِ مِنْ ( تَأْرِيخِ نَيْسَابُورَ ) لِلْحَاكِمِ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ كِتَابَ مُسْلِمٍ مَلْآنُ مِنَ الشِّيعَةِ ، مَعَ مَا اشْتُهِرَ مِنْ قَبُولِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَخْبَارَ الْخَوَارِجِ وَشَهَادَاتِهِمْ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ مِنَ الْفُسَّاقِ بِالتَّأْوِيلِ ، ثُمَّ اسْتِمْرَارِ عَمَلِ التَّابِعِينَ وَالْخَالِفِينَ ، فَصَارَ ذَلِكَ – كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ – كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْحُجَجِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَبِهِ يَقْوَى الظَّنُّ فِي مُقَارَبَةِ الصَّوَابِ .
وَرُبَّمَا تَبَرَّأَ بَعْضُهُمْ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ ، أَوْ [ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ، أَوْ ] رَجَعَ وَتَابَ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ لَعِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ السَّدُوسِيِّ الشَّاعِرِ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ : إِنَّهُ كَانَ رَأْسَ الْعِقْدِ مِنَ الصَّفَرِيَّةِ وَفَقِيهَهُمْ وَخَطِيبَهُمْ وَشَاعِرَهُمْ ، مَعَ كَوْنِهِ كَانَ دَاعِيَةً إِلَى مَذْهَبِهِ ، فَقَدْ مَدَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُلْجَمٍ قَاتِلَ عَلِيٍّ ، وَذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْبِدْعَةِ .
قَالَ شَيْخُنَا( يقصد ابن حجر ) : وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ كُلُّ مُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ ; لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّ مُخَالِفِيهَا مُبْتَدِعَةٌ ، وَقَدْ تُبَالِغُ فَتُكَفِّرُهَا ، فَلَوْ أُخِذَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَاسْتَلْزَمَ تَكْفِيرَ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ .
شرح الكوكب المنير الفتوحي – تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد الفتوحي المعروف بابن النجار
وَيُرَدُّ مُبْتَدِعٌ دَاعِيَةٌ ) أَيْ رِوَايَةُ مُبْتَدِعٍ يَدْعُو النَّاسَ إلَى بِدْعَتِهِ . وَالْمُبْتَدِعُ وَاحِدُ الْمُبْتَدِعَةِ ، وَهُمْ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ ، وَالْمُرَادُ إذَا كَانَتْ بِدْعَتُهُ غَيْرَ مُكَفِّرَةٍ . كَالْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْكَفَاءَةِ مِنْ الْفُصُولِ : إنْ دَعَا كَفَرَ . وَقَالَ أَيْضًا : وَالصَّحِيحُ لَا كُفْرَ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ أَجَازَ الرِّوَايَةَ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ انْتَهَى .
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ : الْقَبُولُ مَعَ بِدْعَةٍ مُفَسِّقَةٍ مُطْلَقًا لَا مَعَ مُكَفِّرَةٍ . وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لِعِظَمِ الْكُفْرِ ، فَيَضْعُفُ الْعُذْرُ وَيَقْوَى عَدَمُ الْوُثُوقِ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ : إنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ قَالُوا : لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ كُفِّرَ بِبِدْعَتِهِ اتِّفَاقًا انْتَهَى .
معرفة أنواع علوم الحديث، ويُعرف بمقدمة ابن الصلاح المؤلف: عثمان بن عبد الرحمن، أبوعمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (ت 643هـ) المحقق: نور الدين عتر الناشر: دار الفكر- سوريا، دار الفكر المعاصر – بيروت ص 114
«التَّاسِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَا يُكَفَّرُ فِي بِدْعَتِهِ. فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّ رِوَايَتَهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ بِبِدْعَتِهِ، وَكَمَا اسْتَوَى فِي الْكُفْرِ الْمُتَأَوِّلُ وَغَيْرُ الْمُتَأَوِّلِ يَسْتَوِي فِي الْفِسْقِ الْمُتَأَوِّلُ وَغَيْرُ الْمُتَأَوِّلِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ رِوَايَةَ الْمُبْتَدِعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ الْكَذِبَ فِي نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ أَوْ لِأَهْلِ مَذْهَبِهِ، سَوَاءٌ كَانَ دَاعِيَةً إِلَى بِدْعَتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَعَزَا بَعْضُهُمْ هَذَا إِلَى الشَّافِعِيِّ، لِقَوْلِهِ: ” أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِلَّا الْخَطَّابِيَّةَ مِنَ الرَّافِضَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافَقِيهِمْ “. وَقَالَ قَوْمٌ: ” تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً، وَلَا تُقْبَلُ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً “، وَهَذَا مَذْهَبُ الْكَثِيرِ أَوِ الْأَكْثَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي»«قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُبْتَدِعِ إِذَا لَمْ يَدْعُ إِلَى بِدْعَتِهِ، وَقَالَ: أَمَّا إِذَا كَانَ دَاعِيَةً فَلَا خِلَافَ بَيْنَهِمْ فِي عَدَمِ قَبُولِ رِوَايَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ أَحَدُ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: ” الدَّاعِيَةُ إِلَى الْبِدَعِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا قَاطِبَةً، لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافًا “. وَهَذَا الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ أَعْدَلُهَا وَأَوْلَاهَا، وَالْأَوَّلُ بَعِيدٌ مُبَاعِدٌ لِلشَّائِعِ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ كُتُبَهُمْ طَافِحَةٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الْمُبْتَدِعَةِ غَيْرِ الدُّعَاةِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ كَثِيرٌ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ فِي الشَّوَاهِدِ وَالْأُصُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.»
من فعل محرمًا بتأويل فلا ترد روايته
تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية عني به وحرره: أحمد بن ناصر الطيار دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع – السعودية
«(من فعل محرمًا بتأويل)
1820 – فأما من فعل محرمًا بتأويل فلا ترد روايته في ظاهر المذهب، قال أبو حاتم: حادثت أحمد بن حنبل فيمن شرب النبيذ من محدثي أهل الكوفة وسميت له عددًا منهم. فقال: هذه زلّات لهم لا تسقط بزلاتهم عدالتهم. [المستدرك 2/ 83]»