شبهة ان علياً عليه السلام خالف امر النبي صلى اله عليه وآله في صلح الحديبية
إنَّ مِنَ الشُّبُهاتِ الَّتي أَثارَها بعضُ المُخالِفين حولَ أميرِ المؤمنينَ علي بن أبي طالب عليه السَّلام، زعمُهم أنَّه خالفَ أمرَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم في صُلحِ الحُديبية، حين امتنعَ عن محوِ عبارةِ «رسولِ الله» من وثيقةِ الصُّلح.
غيرَ أنَّ التأمُّلَ المنصفَ في الواقعةِ، وجمعَ ألفاظِ الرواياتِ، والنظرَ في سيرةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام، وكلماتِ العلماءِ من الفريقين، يُثبتُ بوضوحٍ أنَّ ما صدرَ منه عليه السَّلام لم يكن اعتراضًا ولا عصيانًا، بل كان قمَّةَ الأدبِ والتعظيمِ والتوقيرِ لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أصلُ الحادثة
روى البراء بن عازب أنَّه قال:
«لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ عَلِيٌّ بَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَكَتَبَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَا تَكْتُبْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: امْحُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحُوهُ، فَمَحَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ».
رواه صحيح البخاري، وصحيح مسلم.
وقد حاولَ بعضُهم أن يجعلَ من قولِ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام:
«مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحُوهُ»
دليلًا على المخالفةِ والعصيان.
غيرَ أنَّ هذا الفهمَ مردودٌ من وجوهٍ عديدة.
أوَّلًا: إنَّ امتناعَ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام كان تعظيمًا لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم
إنَّ أميرَ المؤمنينَ عليه السَّلام لم يمتنعْ عن المحوِ تمرُّدًا على أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، بل امتنعَ لأنَّه رأى أنَّ يدَه لا تطيبُ بمحوِ وصفِ النبوَّةِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان ذلك في ظاهرِ وثيقةٍ سياسيَّة.
فهو موقفُ إجلالٍ وهيبةٍ وتعظيم، لا موقفُ معارضةٍ أو تمرُّد.
وقد صرَّحتْ بعضُ الرواياتِ بذلك بوضوح، ففي بعضِ ألفاظِها:
«إِنَّ يَدِي لَا تَنْطَلِقُ بِمَحْوِ اسْمِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ».
رواه دلائل الإمامة، ونقله بحار الأنوار (ج 20 ص 353).
وهذا النصُّ صريحٌ في أنَّ الدافعَ كان التوقيرَ والمحبةَ والتعظيمَ لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا الاعتراضَ على أمرِه.
هذا ولقد فهمَ كبارُ علماءِ أهلِ السُّنَّةِ حقيقةَ هذا الموقف، وصرَّحوا بأنَّ امتناعَ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام كان من بابِ الأدبِ المستحبِّ والتعظيمِ لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال يحيى بن شرف النووي:
«هٰذَا الَّذِي فَعَلَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ الْمُسْتَحَبِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم تَحْتِيمَ مَحْوِهِ بِنَفْسِهِ».
شرح صحيح مسلم (ج 12 ص 135).
وقال أحمد بن علي الرازي الجصاص:
«إِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَإِنَّمَا قَصَدَ تَعْظِيمَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَتَبْجِيلَ ذٰلِكَ الِاسْمِ».
الفصول في الأصول (ج 4 ص 35).
والقاضي عياض في إكمال العلمم وبدر الدين العيني في عمدة القاري وغيرهم قالوا بنفس القول
فهذه النصوصُ كلُّها متفقةٌ على أنَّ ما صدرَ من أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام كان تعظيمًا للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيرًا لمقامِه الشريف.
ثانياً: لو كان ذلك عصيانًا لما أقرَّه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم
من المعلومِ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يُقِرُّ أحدًا على معصيةٍ أو مخالفةٍ لأمرِه، فلو كان ما صدرَ من أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام عصيانًا حقيقيًّا، لوجبَ على النبيِّ أن يُنكِرَ عليه أو يُبيِّنَ خطأَه.
لكنَّ الذي وقعَ هو العكسُ تمامًا؛ إذ لم يُعنِّفْه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يزجرْه، بل محا الكلمةَ بنفسِه، أو طلبَ من عليٍّ أن يُريَه موضعَها، مراعاةً لما في نفسِه من شدَّةِ التعظيمِ والإجلال.
وهذا بنفسِه دليلٌ واضحٌ على أنَّ امتناعَ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام لم يكن مخالفةً، وإنَّما كان أدبًا ومحبةً لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وما يدعم هذا القول كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) “مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحُوهُ” بمعنى ان الامام لم يعترض على اصل محوها بل كل ما في الأمر ان كلامه يترجم بمعنى انه تحاشى ان يمحو اسم النبي من النبوة فمحاها رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يعترض عليه الإمام (عليه السلام) ولو كان النبي قد امره ثانية لفعله امير المؤمنين (عليه السلام) كما قال الرازي الذي اوردنا كلامه.
عمر كان يعصي امر النبي صلى الله عليه وآله في صلح الحديبية وفي غير مرة
قال عمر بن الخطاب في صلح الحديبية: أتيت النبي (ص) فقلت: ألست نبيّ الله؟ قال: بلى ، فقلت: ألسنا على الحق, وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى فقلت: ففيم نعطي الدنيّة في ديننا ونرجع, ولما يحكم الله بيننا؟ فقال: يا بن الخطاب, اني رسول الله ولست أعصيه, وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى, أفأخبرتك انّك تأتيه العام؟ قلت: لا, قال: فانّك آتيه ومطوف به, فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر, أليس هذا نبيّ الله…؟ ( صحيح البخاري: 3/ 190)
وفي (السيرة الحلبية): ان رسول الله (ص) قال له (لما عارضه في صلحه ذلك): (يا عمر انّي رضيت وتأبى). (السيرة الحلبية: 3/ 19)
ودمتم في رعاية الله