شبهة ان الإمام علي (ع) اعترض على امر النبي (ص) بعد إستخلافه في المدينة
إنَّ مِن جملةِ ما تَشَبَّثَ به بعضُ المُخالِفين قولُهم: إنَّ أميرَ المؤمنينَ علي بن أبي طالب عليه السَّلام كان يَعترضُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أو يُخالِفُه في بعضِ المواطن، مُستندينَ إلى رواياتٍ أخرجوها في صِحاحِهم ومسانيدِهم. ومن أشهرِ ما استدلُّوا به: ما وَرَدَ في قضيَّةِ غزوةِ تبوك، حين استخلفَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أميرَ المؤمنينَ عليه السَّلام على المدينة.
فقد روى سعد بن أبي وقاص أنَّه قال:
«لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم غَزْوَةَ تَبُوكَ خَلَّفَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا فِيهِ: مَلَّهُ وَكَرِهَ صُحْبَتَهُ، فَتَبِعَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم حَتَّى لَحِقَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلَّفْتَنِي فِي الْمَدِينَةِ مَعَ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ، حَتَّى قَالُوا: مَلَّهُ وَكَرِهَ صُحْبَتَهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».
فزعَموا أنَّ هذا الكلامَ من أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام كان اعتراضًا على تدبيرِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعدمَ رضًا بما قضى به رسولُ الله.
والجوابُ عن هذه الشُّبهة يتَّضحُ من وجوهٍ عديدة:
أوَّلًا: إنَّ الرِّوايةَ لا تدلُّ على اعتراضٍ أصلًا
غايةُ ما في الرِّواية أنَّ أميرَ المؤمنينَ عليه السَّلام استفسرَ عن سببِ إبقائِه في المدينة، بعد أن أشاعَ المنافقون أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إنَّما خلَّفه استثقالًا له أو كراهةً لصحبتِه.
وقد صرَّحت بعضُ ألفاظِ الروايات بذلك، ففي بعضِ النُّقول:
«فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا خَلَّفَهُ إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ».
فلَحِقَ أميرُ المؤمنينَ بالنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ليدفعَ هذه الشُّبهة، لا ليعترضَ على أمرِه أو يُخالِفَه.
ولو كان كلامُ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام اعتراضًا مُحرَّمًا على رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، لوجبَ على النبيِّ أن يزجرَه ويُبيِّنَ خطأَه، كما كان يفعلُ مع غيرِه عند وقوعِ المخالفة. لكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعلْ شيئًا من ذلك، بل أجابَه بأعظمِ وسامٍ إلهيٍّ ومَنقبةٍ خالدة، فقال:
«أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».
وهذا بنفسِه شاهدٌ واضحٌ على أنَّ كلامَ عليٍّ عليه السَّلام لم يكن اعتراضًا، بل كان سؤالًا ناشئًا من الحزنِ ممَّا بثَّه المنافقون من أراجيفَ وطعون.
ثانيًا: إنَّ كلامَ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام كان نقلًا لكلامِ المنافقين
إنَّ قولَه عليه السَّلام:
«أَتُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟»
لم يكن امتعاضًا من أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإنَّما كان نقلًا حرفيًّا لما أشاعَه المنافقون للطعنِ في شجاعتِه ومكانتِه.
فقد أرادَ أميرُ المؤمنينَ عليه السَّلام أن يستنطقَ القيادةَ النبويَّةَ لإصدارِ بيانٍ علنيٍّ يُبطِلُ تلك الأراجيفَ ويُظهِرُ حقيقتَه أمامَ الجيشِ الإسلاميِّ والأجيالِ القادمة، ولذلك أجابَه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك الحديثِ العظيم الذي صار من أشهرِ فضائلِه ومناقبه.
ثالثًا: إنَّ سيرةَ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام كلَّها قائمةٌ على التسليمِ المُطلق
إنَّ المنهجَ العلميَّ يقتضي عند دراسةِ أيِّ حادثةٍ أن تُفهَمَ في ضوءِ شخصيَّةِ صاحبِها وسيرتِه العامَّة، لا أن تُقتطعَ من سياقِها.
وشخصيَّةُ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام هي شخصيَّةُ التسليمِ المُطلقِ والطاعةِ الكاملةِ لرسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد سجَّلت له السيرةُ أعظمَ مواقفِ الفداءِ والانقياد.
ففي «ليلةِ المبيت» حين تآمرتْ قريشٌ على قتلِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، لم يتردَّدْ أميرُ المؤمنينَ عليه السَّلام لحظةً واحدةً في أن يبيتَ على فراشِ الموتِ فداءً لرسولِ الله، فنزلَ فيه قولُه تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾
[سورة البقرة: ٢٠٧].
فهل يُعقلُ بعد هذا التسليمِ العظيم أن يُتَّهَمَ بالاعتراضِ على أمرٍ إداريٍّ أو عسكريٍّ صادرٍ من رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
إنَّ هذه الشواهدَ المتواترةَ تؤكِّدُ أنَّ سِمةَ «التسليمِ المطلق» كانت هي الحاكمةَ والموجِّهةَ لكلِّ حركاتِ أميرِ المؤمنينَ وسكناتِه، وما صدرَ منه في غزوةِ تبوك لم يكن استثناءً من هذه القاعدة، بل كان توظيفًا لعباراتِ المنافقين واستيضاحًا للمقام، حتَّى يُبطِلَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم تلك الشُّبهاتِ ببيانٍ صريح.
رابعًا: إنَّ حديثَ المنزلةِ نفسَه يدلُّ على عِظَمِ مقامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام
إنَّ جوابَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مجرَّدَ تهدئةٍ لخاطرِ عليٍّ عليه السَّلام، بل تضمَّنَ إعلانًا لمقامِه العظيم،ارغاماً لأنوف المنافقين ورداً عليهم بعد استنقاصهم من قدر أمير المؤمنين عليه السلام بقولهم كره صحبته او ما شابه، حيث شبَّهَه بهارونَ بالنسبةِ إلى موسى عليهما السَّلام، فقال:
«أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى».
ومن المعلومِ أنَّ هارون كان وزيرَ موسى وخليفتَه على قومِه عند غيابِه، كما قال تعالى:
﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
[سورة الأعراف: ١٤٢].
فكان حديثُ المنزلةِ في حقيقته تكريمًا إلهيًّا وإظهارًا لمقامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السَّلام، لا توبيخًا له ولا ردًّا على اعتراضٍ مزعوم.